كثيرون لا يعرفون أن الشيخ الغزالي كان أديبا إسلاميا من العيار الثقيل، فهو لم يكن داعية كبيرا وكفى، وإنما كان أديبا له وزنه . ويشير المقربون من الشيخ إلى أنه كان يكتب الشعر منذ وقت مبكر من حياته، حيث قال قصيدة وهو في الثامنة عشرة من عمره قال فيها :
ثماني عشرة مرت سهادا أردت على المنام..ولن أرادا
فكانت يقظة المضني بنائي كرى النوّام أن يغفو اتئادا
وكانت في سبيل المجد تسعى تغالبه ولا تألو اطرادا
وحينما كان الشيخ الغزالي - رحمه الله - طالبا بالمعهد الديني بالإسكندرية كتب ديوانا كاملا تأثر فيه بالاستعمار الخارجي والفساد الداخلي، الذي كان يسيطر على البلاد في تلك الفترة، فكتب عددا كبيرا من القصائد الوطنية، التي تنبه الغافل وتلهب مشاعر اليقظان، ومن ذلك قصيدته الساخنة "إلى الأمة الكريمة" وهي قصيدة طويلة يستهلها بما يشبه الصدمة الكهربائية قائلا:
مستمرئي الذل هل تدرون ما كانا؟! أخزاكم الله ، ما تأتون بهتانا!
وفيها أيضا يدعو إلى الثورة دعوة صريحة حين يقول:
دعوت للثورة الكبرى تؤج دما
يأبى الحديد ويأبى النار شطآنا
دعوت للثورة الكبرى إلى غرض
ينفي السكون إذا ما سيم إذعانا
سكت محتسب الصيحات في غضب
لما رأيتكمُ للذل أخدانا
ولطالما باح الشيخ الغزالي في شعره باستمساكه بدينه، وأعلن حرصه على الالتزام بشعائر العبادة، فكان من العفويات أن يكون للصلاة نصيب في شعره في قصيدة يصف فيها وقفة المصلي بين يدي الله فيقول:
تلكم الوقفة ما أجملها!
في حقول بالمعاني الذاخرة
تلكم الوقفة فيها متعة
من جلال الفترات الطاهرة
فترات الطهر ما أجملها..!
حين تبدو في الذهول الذاكرة
فلو أن العمر منها كله
ما درى التشريد حتى البادرة
والحرب دائمة دائبة بين الخير والشر، الخير ممثلا في ملائكته، والشر ممثلا في جنوده، والشيخ الغزالي عاش مناصرا لملائكة الخير وناجاهم في قصيدته التي جعل عنوانها "ملائك الخير" :
ملائك الخير لا تنسينني أبدا
لا زال فيض نداك الجزل لي مددا
وفي غضون هجوم الشر فاضطهدي
جنوده السود ما إن زال منعقدا
وبحسب مجلة المجتمع الكويتية، فإن الغزالي تناول في قصائده موضوع الغنى والفقر، والثراء والعدم، يعالج فيه فلسفة الغنى، وما إذا كان المال وحده يؤدي إلى السعادة، وانتهى إلى أن المال لا وزن له ما لم يقض حاجة بائس أو يعالج محنة مكلوم، ومن ثم فإن الغنى هو غنى النفس وليس غنى الثراء وحده، يقول الغزالي في أبيات جعل عنوانها " سري وثري" :
وددت الغنى لو أن ذا المال مسعد
سعادة ذي روح سعادة ذي عقل
فلما رأيت المغتنين سعوا له
لذاذة ملبوس لذاذة في أكل
حقرت ثراء يبتغي الذل موئلا
يريد مقامي في مواطنه الغفل
وددت الغنى أقضي مطالب بائس
أواسي جروحا أو أبدد من جهل
شعر الحكمة عند محمد الغزالي
يعرف الناس الشيخ محمد الغزالي كواحد من أشهر الدعاة إلى اللّه على بصيرة وغزارة علم، فهو واسع الحلم فصيح اللسان وناصع البيان وافر التقوى بشوش الوجه جامعا لمكارم الأخلاق، وتفيد المعلومات أن مكارم الأخلاق أصيلة فيه منذ صباه الأول رافقته ناشئا وسارت في ركابه شيخا وداعيا ومعلما.
عرفت بالصدفة أنه يتميز بموهبة الشعر من خلال ديوان الحياة الأولى. لا يسمح هذا الحيز بالحديث عن محتوى الديوان بالتفصيل ،ولكن من المفيد تقديم الحقائق التالية:
1) يتبين من محتوى ديوان الشيخ محمد الغزالي، أنه قدم موضوعات الشعر النظيف التي أسهم بالقول فيها الشعراء من ذوي المروءة وتعفف عن طرق الموضوعات التي يبتعد أصحاب المروءة عن الكتابة فيها، فلم يتورط الشيخ في قول الهجاء أو المديح المغلف بالنفاق أو الغزل، وإنما يطرق أبواب الحكمة والتعبير عن ذاته وسلوكه ومكارم الأخلاق، كما تناول موضوعات التصوف وتحدث عن الموضوعات الانسانية التي تنير القلوب وتهذب المشاعر، كما وصف الطبيعة في حالاتها المختلفة.
2) من الحقائق الطريفة أن الشيخ محمد الغزالي أطلق على ديوانه ''الحياة الأولى'' وهو يقصد حياة في مرحلة من مراحل العمر، حيث كان طالبا في معهد الاسكندرية الديني وهنا أمران طريفان: الأول أنه قدم النسخة الأولى من الديوان هدية الشيخ محمد أفندي الذي صار فيما بعد والد زوجته الفاضلة، والأمر الثاني أن ثمن الديوان كان زهيدا طبقا لما هو معلن على غلافه.
3) كانت للشيخ محمد الغزالي أحزان عميقة عبّر عنها في شكايات وكانت له أشجان لصيقة، ويؤكد علماء النفس أن الأشجان أقل ثقلا وأخف أكثرا على النفس من الأحزان، ولكن في حالات ذوى القربى ربما تتساوى مشاعر الأشجان مع جراحات الأحزان، ومن أعمق ما أبدع الشاعر الشاب القصيدة التي كتبها في كفاح أبيه وهو يسعى في الحياة لتلبية أسباب العيش للأسرة.
4) يتناول الشيخ محمد الغزالي في ديوانه ''الحياة الأولى'' الغنى والفقر والثراء والعدم ويعالج الغنى وإذا ماكان المال وحده يؤدي إلى السعادة، وانتهى إلى أن المال لا وزن له ما لم يقض حاجة بائس أو يعالج محنة مكلوم، ومن ثمّ فإن الغنى هو غنى النفس وليس غنى الثروة المادية.
5) يحذر الشيخ محمد الغزالي من فعل الشر بإظهار وجهه القبيح، وما أكثر الوجوه القبيحة للشر الذي ينبغي أن يحذر اللجوء إليه ذوو الأخلاق الحسنة وأصحاب كريم الفعال.
6) يوصي الشيخ محمد الغزالي بالانصراف عن خضراء الدمن ومن الشر الإهتمام بها والإقبال عليها وخضراء الدمن كما ورد في الحديث الشريف هي الفتاة الجميلة التي تنشأ في منابت السوء، يسر المرء شكلها وجمالها ويسوؤه خلقها وفعلها. والشيخ محمد الغزالي يحفظ الحديث الشريف منذ الصغر ويعرف معناه ومغزاه، فهو يجعل في نطاق كريم الفعال ومكارم